الطير المهاجر باللغة الإنجليزية، قريبا

_________________

الخميس، 10 سبتمبر 2009

طاقات معطلة !!

دار يوماً نقاش بيني وبين بعض الأخوة حول أهمية إظهار واستخدام كل فردٍ مكنون الطاقة والموهبة التي لديه لينفع بها نفسه أولا ثم مجتمعه فوطنه فالأمة، وكان الإختلاف في وجهات النظر يحوم حول أي الأساليب أو المناهج أفضل على الفرد أن ينهج لاستخدام طاقاته. فكان رأي البعض على أنه يجب على كل فرد أن يُخرج طاقته ويستثمرها دون أن ينتظر مساعدة من أحد. على المرء أن يستغني عن الناس قدر المستطاع. ولكن هناك من يرد على ذلك بالقول أن هذا المبدأ قد ينافي مبدأ "روح الفريق".



إن النظر إلى الموضوع بهذه البساطة قد يزيد الفرقة بين الأفراد، فارتأينا الخوض في نقاش مرتب. إن الأصل في الدين أن تكون الأمة مجتمعة ومتآلفة ومتعاونة ومتكاتفة، ويساعد بعضها بعضاً. وبطبيعة الحال فإن الطاقات والمواهب والاستعدادات والإمكانات متفاوتة بين الأفراد. إذاً لابد من أن يحتاج كلُّ إلى الآخر، وهذه حكمة إلهية، حيث يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم "ورفعنا بعضُهُمْ فوق بعضٍ درجـٰتٍ لِّيتَّخِذَ بعضُهُم بعضاً سُخْرِيّاً.." (الزخرف: 32). ونظرا لتنوع الأدوار المطلوبة للتكامل الحياتي والخلافة الإنسانية في الأرض نجد ضرورة لوجود هذا التفاوت (في الأداء والقدرات) بين البشر. فمنا من آتاه الله علماً أو عقلاً راجحاً، وآخرمالاً، والبعض قوة في البدن، وهكذا، ولولا ذلك لما استقامت الحياة.

وبطبيعة الحال، الاستغناء المطلق عن الناس أمر مستحيل، إلا إذا كان إستغناءا في الأمور الشخصية والفردية من أمور الحياة والتي تكون ضمن وسع المرء وطاقته وبمقدوره إنجازها دون مساعدة من أحد. فطلب العون في مثل هذه الأمور لا يكون عادة إلا من باب الإستغلال أو الكسل أو التواكل أو الرضا بالمرتبة الدنيا. ولكن الأمر مختلف بالنسبة للقضايا المجتمعية، فاستغناء المرء هنا عن غيره والاكتفاء بالعمل الفردي أمر غير مقبول، لأن العمل للنهوض بأمور الأمة يحتاج إلى تكاتف الجهود واستثمار المواهب والطاقات والاستعدادات والإمكانات، وينصب هذا كله في تكامل الأدوار؛ وبذلك يتم إستثمار الجهود والطاقات بفعّالية أكبر وبوقت وجهد أقل.

وأود أن أضرب مثالا لما أقول حتى تتضح الصورة أكثر؛ فلو أن شخصا كانت طاقته في عقله، وكانت موهبته في قدرته على إعطاء أفكار متميزة سواءا لمشروع أو تشريع أو غيره. ولديه أيضاً القدرة على التخطيط، ولكنه في المقابل يفتقر إلى مهارات معينة سواءا إداريه أو تقنية أو إتصالاتية أو غيرها ربما تكون مطلوبة لتكملة هذا المجسم، ولكن هذا الزيد لا يمتلك المال اللازم لتطبيق هذه الأفكار، إذن سيصبح زيدنا هذا عبارة عن طاقة معطلة.

ولذلك من الحكمة أن نيسّر له السبيل، وإن لم نصل إلى ذلك الحد من التفاؤل، فلنجمعه مع أصحاب الطاقات والمواهب المكمِّلة لطاقته واللازمة لتطبيق ما لديه من أفكار يستفيد منها الوطن والمواطن. وليس من المنطق أن نلزمه مثلاً بجمع المال، أوأخذ دورات ليجيد الإعداد أوالتسويق أو غيره ، لأن في هذا مضيعة للوقت والجهد، وتجاهل للطاقات الأخرى التي ربما يبحث أصحابها عمن يساعدهم في استثمارها الإستثمار الأمثل.

وبذلك يمكن أن تجتمع وتتكامل الطاقات والإمكانات وتتوزع الأدوار وهذا ما يجعل المجتمع مجتمعا.وما من إنسان إلا و لديه موهبة وطاقة ودور يقوم به، مهما صغر هذا الدور ؛ فهذا بالأفكار، وهذا بالتخطيط، وهذا بالمال، وآخر بالنشاط البدني أو الإجتماعي أوالعلاقات العامة، وذاك بالعدة وغيره بالعتاد. هذا كله لعمل واحد، فكيف بها إذا أجتمعت وتكاملت في الوطن الواحد، ؛ بين مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية خدمية كانت أم تجارية أو صناعية، أو حتى خيرية. جميعها يمكن أن نطلق عليها "مشاريع نهضوية".

أخبرني أحد الأصدقاء العصاميين أنه حصل على وكالة تمثيل تجاري لمنتج يصنّعه في شرق آسيا. أثبت المنتج فعاليته بعد أن تمت تجربتة في أكثر من مؤسسة سواءا حكومية أو خاصة أثناء حملة ترويجية مبسطة. صديقي هذا لا يملك المال الكثير، بل ما يزال وزملائه يتحملون أعباء هذا النشاط التجاري والتي أصبحت فوق طاقاتهم. سألته ماذا يريد بالتحديد؟ هل تريد مالا؟ فقال لا بل فرصة !! أثبت فيها بعد أن أجد زبونا دائم بحجم مؤسسة كبيرة لكي أستمر بعدها في التصنيع داخل السلطنة. وبعدها سنسوّق المنتج (الذي سيعتبر محلّي الصنع) للدول المجاورة ونصبح مصدرين. فسألته؛ وماذا كانت ردة الفعل بعد أن تمت تجربته من قبل تلك المؤسسات؟ تنهّد صاحبنا وقال: إن جميعهم أعجبوا بنتائج الإختبار على المنتج. فمنهم من وعدني أنه سيحاول إقناع إدارته بشراء المنتج ومنهم من أراد إستدراجي ليحظى هو بنصيب في الصفقه ولا أخفيك أني خشيت على جهودنا أن تضيع. لقد أصبحت أخاف رغم أني في دولة ديمقراطية ذات سيادة وقانون من أن أسلب هذا كله. فقلت له : ليس العيب في القوانين بل في من يطبق ما يرده منها وبدون ضمير.

فأين ما يدعى بدعم أصحاب الأفكار والمشاريع الصغيره الذي نسمع عنه؟ قال: إن بعض من قابلت من المسؤلين في تلك المؤسسات من إنبهر وصدم في نفس الوقت. فقلت: لماذا؟ فقال: إن منتجنا مميز فهو رخيص وفعال (سريع المفعول) وبذلك سيأخذ مكان ما يستخدمونه أو يستوردونه من الخارج في صفقات طويلة الأمد والتي تصنع في اوروبا أو غيرها بثمن باهض. فقلت: فهمت، وطبعا إذا حدث ذلك فإن أشياء أخرى ستختفي. نعم (قالها بملئ الفم) بل وحاول بعضهم أن يأخذ منه عمولات لإتمام الصفقة، ولأن صاحبنا يحمل ضميرا حيا (إلى الآن) لم يقبل تلك العروض. فقد همس لي أن رجل أعمال خليجي عرض عليه مبلغا ضخما في سبيل الإستغناء عن حقوق المنتج (الوكالة) فرفض. لماذا ترفض إذا كنت غير قادر على المتابعة في الإنتاج لعدم وجود المشتري، خاصة وأنك ستبدأ مشاريع جديدة بذلك المبلغ؟ فقال: وبعدين؟ المسألة عبارة عن مبدأ وهذا التاجر لم يكن ليعرض علي ما عرض إلا لقناعته بالكثير القادم.أنها فكرتي وهذا مشروعي ولدي إخوة شركاء وما نريده هو دعم معنوي أكثر منه مادي ليساهم في إبقاء مشروع عماني حي لكي نساهم بفعالية في دفع عجلة إقتصاد الوطن الذي ندين له بالكثير. كلام كبير سمعناه قرأناه ولكنه ليس في حيز التنفيذ فهل هي الواسطه؟ أحرام علينا الملايين وحلال للبعض؟  وما زال صاحبنا يكافح.

يجب أن أعترف (وأرجو ان لا يغضب مني صديقي العزيز)، أن صاحبنا يفتقر للأسلوب الإداري والتسويقي الأكاديمي لانه لم يكثف جهوده في تعلم تلك النظريات أو بالأحرى لم يستثمر وقتا لذلك. ولكني أعرفه جيدا فهو يملك نشاطا وحيوية كبيرين منذ صغره؛ قيادي بالفطرة واجتماعي على السليقة ومستعد لحفر الصخر. إذن فهو "طاقة معطلة". والأصل في القضية أن تتوحد الجهود مع إختلاف الأسباب. وكما قيل فالإختلاف لا يفسد للود قضية. أما ما يلاحظ عادة، فهو إستخدام كلمة "قوانين او بنود" كحجر عثرة أمام الأفكار الإبداعية.

إن بلادنا (ولله الحمد) تتمتع بخيرات كثيرة وقيادة حكيمة وأمن وأمان تبحث عنه دول كثيرة ولكنها في نفس الوقت بحاجة إلى كل طاقة وكل جهد وكل إمكانية مادية كانت أم معنوية عند كل فرد فيها. تحتاج بلادنا إلى استثمار هذا كله أحسن إستثمار، واستغلاله أفضل استغلال، فهناك طاقات كثيرة معطلة، وجهود مبعثرة، وإمكانات غير مستغلة، ولو وظف هذا كله كما خطط له لأصبح الحال غير الحال يقول رسولنا الكريم (ص) " كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" ولمن يحب الأدب الغربي؛ يقول وليم شكسبير"لا يكفي أن تساعد الضعيف، بل ينبغي أن تدعمه".

بقي أن أقول لصاحبي أن هناك خياران. الأول هو أن تظل متمسكا بتلك الطاقة والمبادئ وترتب أوراقك وتسعى ليسعى الله معك. أما الخيار الثاني فهو بدل أن تحفر صخرك إبدأ بحفر قبرك.
ودمتم سالمين.

ليست هناك تعليقات: