الطير المهاجر باللغة الإنجليزية، قريبا

_________________

الأربعاء، 9 سبتمبر 2009

شهادات علمية للبيع !!

لقد وصلني أيميل من أحد الأصدقاء يتحدث عن حصول بعض الشباب على شهادات عليا مزورة من جامعات أمريكية. في الحقيقة، لم يكن ذلك يشكل أي نوع من الإندهاش بالنسبة لي، فهذه الممارسة واسعة جدا في العالم. ولكن ما يتفق عليه الكثيرون هو أن من يمارسها سواءا من يبيع أو من يشتري يشكل خطرا على مجتمعه.


فمن يبيع في الأصل لن يبيع إلا إذا كان له زبائن. ومن يشتري لن يشتري إلا إذا كان ناقصا. فلم هذا كله؟ لماذا تباع الشهادات؟ لماذا يشتريها البعض؟ لماذا يقع بعض الناس ضحايا لمثل هذا النوع من التجارة اللأخلاقية. وللأسف، لقد أصبحت ظاهرة.ا


نشرت سبوكسمان ريفيو (صحيفة أمريكية) أسماء لـ10 آلاف شخص في العالم قاموا بشراء شهادات علمية عليا مزورة من واشنطن عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية من "متجر للشهادات". كان بينهم حوالي 180 شخصا من دول الخليج العربي. والغريب أن وزارة العدل الأمريكية بعد إكتشاف الأمر قامت بوضع أسماء هؤلاء الأشخاص في القائمة السوداء نظراً لمخالفتهم القانون. يجدر بالذكر أن قيمة هذه الشهادات (المزورة) تتفاوت قيمتها بحسب نوع الشهادة، وعلى سبيل المثال سعرت شهادة الدكتوراه بمبلغ وقدره 8000 دولار أمريكي.




كتبت باميلا بروجن ( خدمات جانيت للأخبار) أن 463 موظف فيدرالي على الأقل منهم 258 موظف في إدارات حكومية عليا، جميعهم حصلوا على شهادات مزورة. وبحسب مكتب الإعتماد الحكومي الفيدرالي (ذراع الكونغرس للتحقيقات – GAO) أن هؤلاء الموظفين لديهم الصلاحيات للحصول على أية معلومات في قاعدة بيانات لمؤسسات حساسة في الدولة. "يعني حاميها حراميها"!!


تقول السناتور الديمقراطي سوزان كولينز (عضو لجنة الشؤون الحكومية) " يشكل حاملوا الشهادات المزيفة خطرا جسيما وملموسا على المجتمع وسلامته". ولقد قامت السناتور بنشر التقرير الصادر من الـ GAO.




ربما يهرول العرب عموما والخليجيين بشكل خاص إلى هكذا فعل لأننا لم نعد أمة (إقرأ). فلقد تم إغراقنا في تفاهات الأمور وأصبح الحصول على شهادة ليس للعلم قط، بل لتعديل الوضع الوظيفي والذي يعني في نهاية الأمر رفع مستوى الدخل. وأترك لكم التفكير في أسباب ذلك؟



الغريب في الأمر أيضا أن الأمر لم يقتصر على الطلبة (أو بالأحرى الزبائن) الوافدين بل إحتوت القائمة القائمة على أسماء لمواطنين أمريكيين ممن يعملون في مؤسسات حكومية منها ما هو حساس كوكالة الإستخبارات الأمريكية وقوة الدفاع. حيث أوضحت بعض التقارير إنه ما يقارب من 300 موظف حكومي أمريكي كانوا ضمن القائمة، وربما كان هذا هو السبب وراء عدم نشر وزارة العدل للقائمة. وما أكثر الغرابة، فوزارة العدل في أمريكا شرعت في مقاضاة بعض الذين أشتروا الشهادات ولكنه لم يثبت ما إذا كانت الدعوى القضائية ستلاحق الخليجيين حسب ما ذكرت صحيفة سبوكسمان ريفيو.


الأمريكان دائما يبجثون عن عدو !! فهل هناك عدل في المقاضاة؟ ربما من وجهة النظرالأمريكية الثاقبة!! لماذا لا يتم محاسبة البائع قبل المشتري (الزبون)؟ أو ليس "الزبون دائما على حق" كما تقول نظريات المبيعات والتسويق الأمريكية الزائفة؟ أليست هي تجارة حرة في " أرض حرة" ؟ سنعرف الأسباب بعد أن نتعرف على هذه العملية عن قرب – (طواحين أو تزوير الشهادات - Diploma Mills).


ما هي عملية تزوير درجة علمية (شهادة)؟


في حقيقة الأمر هي تجارة تعتمد النصب والغش والخداع حيث ترويج لنفسها على أنها كلية أو جامعة شرعية ومرموقة. ويتم ذلك باستخدام أسرع الطرق على الإطلاق وهي الأنترنت. ونظرا لأن الدراسة عبر الأنترنت حديثة وغير مكشوفة التفاصيل بالنسبة للكثيرين، يستغل البعض جهل أو ربما سذاجة بعض الباحثين عن هكذا مشروع.

تقوم معظم المعاهد والجامعات عادة بتقييم مستواها بشكل دوري لإستحداث تخصصات جديدة تخدم سوق العمل. ويتم إستغلال هذا النوع من التطوير التعليمي فيقوم أصحاب هذه الممارسة عن طريق الأنترنت بإرسال إيميلات عشوائية أو ربط موقع الجامعة المزعومة بمواقع أخرى أو باستخدام تطبيقات معينة كصفحات الفرقعة (Pop-ups). وللأسف تساهم جوجل في جزء كبير من هذا التسويق كونها أكبر محرك بحث إلكتروني. كذلك يقوم هؤلاء المزوّرون بإصدار الشهادة بدون أي تقييم لمؤهلات المتقدمين وكفاءاتهم ومشروعاتهم العلمية. والنتيجة ببساطة هو جني المال فقط من طباعة مجموعة أوراق تطابق الشهادات المعتمدة بما فيها الـ (Transcripts). والأدهى من ذلك أنهم يزعمون أن الجامعة أو الكلية معترف بها من قبل إتحادات تعليمية معينة بعد أن قاموا بوضع تسمية لإتحادات إعتماد مزيفة ليست مدرجة في قائمة وزارة التعليم الأمريكية.


1- أفراد يبحثون فعلا عن برنامج أكاديمي حقيقي و لا يعلمون أنهم وقعوا ضحايا.
2- أفراد يعلمون جيدا أنهم مقبلون على المشاركة في عملية تزوير وذلك لتفادي دفع مبالغ أضخم وعدد سنوات دراسة أطول من أن يصبروا عليها لأسباب أكاديمية كانت أم وظيفية.


يوجد نوعين من الزبائن لهذه الممارسات الغير مشروعة:
وللأسف أن عالم الأنترنت (هذا الإختراع الإنساني المفيد) بات مكانا للخداع والتزوير. فمن السهل أن يحصل الشخص على مجال (.edu) ليبني موقعا جميلا لجامعة أو كلية مع وجود عنوان وهمي ورقم تلفون وفاكس وطابعة ملونة للإيقاع بالضحايا. لقد قام الدكتور جون بير(الخبير في الدراسة عن بعد) بإصدار كتاب "المرشد : الحصول على شهادة غير تقليدية". إحتوى الكتاب على ذكر 481 كلية أو جامعة أطلق عليها تسمية "جامعات تليفونية!!"


هناك نوعان من الشهادات المزورة:

1- نوع ذو جودة ولكن ليست عالية. يحتوى البرنامج على دورات ليس لها أساس بل مغلوطة وزائفة
2- نوع يبيع نسخة من الشهادة وعليها إسم المنتسب (المشتري) فقط.



يذكر أن مدرب البيسبول والرياضي براين مكنامي حصل على شهادة دكتوراه مزورة من جامعة كولومبوس . تم الكشف عن أن هذه الجامعة مزيفة وبدأت تعمل من أكثر من ولاية في أمريكا مثل : لويزيانا و ميسيسيبي والاباما حسب تصريح لموقع eLearners.com.

كيف تعرف إذا كانت الكلية أو الجامعة زائفة؟



عادة ما يختار هؤلاء لجامعتهم المزعزمة إسم قريب أو مماثل لإسم جامعة أو كلية معروفة، وينسبونها لاتحاد إعتماد زائف أيضا، وبعضهم لا يعبأ بذلك. والمتتبع، يجد أن هذه المؤسسات الوهمية تغيرعناوينها بشكل دائم وأحيانا ينتقلون من ولاية إلى أخرى كما سبق ذكره. وعندما يتقدم إليهم شخص باستفسار عن طريق الإيميل، يقومون بإرسال رزمة أو طرد له/لها فور ملئ إستمارة التقدم في الموقع. تتضمن هذه الرزمة قائمة بالبرامج والشهادات بتفاصيل مزعومة. ومن ينتبه، يجد أن هناك أخطاء في الإملاء والقواعد النحوية لا تتناسب مع مستوى أكاديمي، ناهيك عن السرعة الفائقة والشجاعة التي يعدون بها الزبائن في إيصال الشهادة ( مثال- سارع للحصول على درجة الماجستيرخلال 27 يوم، إتصل الآن).

الحد من هذه الظاهرة


لسوء الحظ، أن تسارع إنتشار هذه الظاهرة أحيانا أوسع من عمليات تتبعها للحد منها. تتمتع هذه الجامعات بتطور هائل في أساليب الإحتيال عن طيرق الأنترنت وغيره. وتتمركز في الولايات التي تغيب فيها الصرامة فيما يتعلق باعتماد الجامعات. بل يتم صبغها بالصبغة الدينية لا لتكتسب شرعية وحسب، بل لوجود تلك الضمانات الدستورية، حيث أن الدستور الأمريكي يفصل بين الكنيسة والدولة. ولذلك تتردد الدولة في تمرير أي قوانين تحد من أنشطة الكنائس ، بما في ذلك الحق في منح درجات علمية. وعلى هذا الأساس تقوم هذه الجامعات المزيفة بالإستفادة من هذا التردد المبرر!!


ولمزيد من حماية هذه التجارة الغير مشروعة والإستفادة من هشاشة بعض القوانين، تقوم هذه الجامعات ببيع زيفها خارج هذه الولاية أو الدولة في بعض الأحيان. وللأسف أنه يصعب إثبات هذا النوع من الإحتيال في بعض الحالات حيت يقوم القائمون على مثل هذه المؤسسات بتحصين تجارتهم بأن يكونوا صريحين في تجارتهم وتعاملاتهم، حيث يكون الزبون على دراية تامة بما يحدث وأنه سيحصل على شهادة دون الخضوع لبرامج دراسية، وهذا يحصرجدال أي قضية ضد هذه المؤسسات ليكون في إطار تجاري محض وليس أخلاقي.


أن يدّعي شخص أن لديه درجة علمية من دون إكمال برنامج درجة معتمد أو شراء شهادة مزورة لأمر بالغ الخطورة على الشخص المشتري وكذلك على المؤسسة التي توظّف أشخاص كهؤلاء. بل يمكن أن يعتبر جنحة أو جريمة.


كيف نحمي أنفسنا من هذه الظاهرة؟

إذا كنت راغبا في الإلتحاق في برنامج دراسي للحصول على درجة علمية أيا كانت هذه الدرجة (بكالوريوس، ماجستير أو دكتوراه) عن طريق التعلم عن بعد أو عبر الإنترنت، فعليك كطالب عمل التالي على سبيل المثال لا الحصر:


1- من المهم أن تبحث جيدا عن جامعة معتمدة.
2- إذا كان لديك أدنى شك في البرنامج المطروح فتأكد ما إذا كانت هذه المؤسسة التعليمية مدرجة في قائمة الإعتماد.
3- تأكد أن المؤسسة التعليمية تطرح المستوى العلمي والأكاديمي المطلوب من التدريس والتدريب.
4- لا تحصر بحثك في الإعلانات المبوبة والمسح الشبكي فقط. فكر على أساس معرفي.
5- إسأل عن نوعية البرامج والمدرسين وغيرها الخطوات الأساسية.

تقوم وزارات التعليم العالي في بعض الدول بتقنين هذه العملية، حيث تكون هناك لجان خاصة باعتماد المؤسسات التعليمية بعد تقييم مستوياتها وبرامجها التعليمية والتدريبية من خلال قائمة الإعتمادات الدولية وبذلك تكفي الطالب مهمة البحث.


كيف تباع الشهادات المزورة؟

من الصعب أحيانا كشف هذه المؤسسات التعليمية الزائفة. فمواقعها على الانترنت تحتوي على صور ذات المناظر الخلابة في الحرم الجامعي ، وتصف خبرات طاقم التدريس بحذر. وللوهلة الأولى تبدو كأنها مؤسسة أكاديمية معتمدة وحقيقية.


كثيرا ما تصلنا رسائل بريد إلكتروني ( مثال 1 ، مثال 2) تروّج للحصول على مثل هذه الشهادات والغريب، أنهم في رسائلهم يذكرون فقط إسم الدولة التي ستحصل منها على الدرجة. كأن يقولوا مثلا " إحصل على درجة الماجستير من جامعة مرموقة في بريطانيا أو أمريكا أو نيوزيلاندا أوأستراليا أوغيرها، معتمدا على خبراتك الحياتية ومعرفتك الوظيفية السابقة". ولا تتضمن الرسائل إسم الكلية أو الجامعة بل موقع إلكتروني وسلسلة من أرقام الهواتف.


ومثال على ذلك ما قام به أحد المهتمين بهذا الشأن، جو ديوسي. لقد ملأ جو ديوسي إستمارة الطلب في الموقع الأنترنت الخاص بالمؤسسة وطلب درجة الماجستير باسم كلبه (أجلكم الله) الذي يسكن عنده في البيت واختار تخصص الطب البيطري. دفع صاحبنا مبلغا وقدره 479 دولارأمريكي وبعد أسبوع تسلم شهادته. المضحك أن العنوان التي وصلت منه الرزمة أو الطرد كان مدينة دبي (الإمارات العربيه المتحدة)!! أنقر هنا لمشاهدة الفيديو (على يمين الموقع).


ما أهمية الإعتماد؟
إن الهدف من الإعتماد هو "التأكد من أن التعليم الذي تقدمه مؤسسات التعليم العالي يوازي المستويات المقبولة للجودة"، وهذا ما تنص عليه قوانين وزارات التعليم العالي إجمالا وليس وزارة التعليم الأمريكية فقط.



وختاما،،  اللي عقله في راسه، يعرف خلاصه،، ودمتم سالمين.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

أعـــداء التنميـــة

أحببت أن أعرض مقالا بقلم - الأستاذ: سعيد بن سلطان الهاشمي. تم نشر الموضوع بصحيفة الشبيبة العمانية، بتاريخ 7 سبتمبر 2009 في صفحة مقالات.. شكرا لك يا أبا سلطان.


"إن الفقر والجهل والمرض هي أعداء التنمية الحقيقيون، في المقابل يقف الرفاه والعلم والصحة كعدة للتنمية وعتادها الصلب، هذه العدة ذاتها هي العوامل المؤدية إلى الديمقراطية: فالمجتمع المتعلم تعليماً جيداً، والمعافى عافية طيبة في جسده وعقله، والمطمئن على لقمة عيشه، لن يرضى بالاستبداد نظاماً لحكمه، بل إن التاريخ الإنساني يخبرنا عن أمم لم تناضل لحكم عادل إلا بعد أن استنارت عقولها، وسلمت أبدانها من الأمراض القاتلة، ووظفت الوفرة المالية التي جنتها في سبيل حريتها، وبناء مجدها، وأوروبا في عصر النهضة مثال على ذلك. والولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما بعد تحررها من الاستعمار البريطاني وسيطرته نموذج آخر يدعم قولنا في هذا الاتجاه.

إذن كيفما قلبت التنمية والديمقراطية – في اعتقادي - فكل منهما يؤدي للآخر، وكلاهما ضامن موضوعي لظهور الآخر؛ إذا ما توفرت الأسباب الكاملة وغير المنقوصة لكل واحد منهما. لذا يمكننا القول أنه وإذا ما أدركت الإدارة السياسية شمولية هذا الهدف فإنها لن تقف حجر عثرة في طريق مصلحة شعبها الذي يتقدم ويزدهر بالاثنين. بل إن دوام الأنظمة السياسية مرهون بمقدرتها على قراءة تطلعات شعوبها، وليس قمع آماله، وتوسيع خيارات معيشته لا بتضييق فرصهم وبيع مواردهم لفئة محدودة منهم.

إن دوام واستقرار المجتمعات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقدار الثقة القائمة بين مؤسسة الحكم والمحكومين، وهذه الثقة لا تأتي بسهولة؛ إذ أن البشر بطبيعتهم تتقدمهم شكوكهم ومخاوفهم، في غالب الأمر تجاه من يتولى قيادتهم وإدارة دفة حياتهم. عليه فإن المؤسسات المستقلة والمنفصلة والمُراقِبة لبعضها البعض جاءت كصيغة تعاقدية بين قاعدة هرم السلطة وقمته بعد صراعات مريرة، وتجارب صعبة.

هذه الصيغة كفلت حقوق الطرفين، فبات كل طرف يعرف حدوده ومنتهاه، من ذلك فإن التنمية الاقتصادية حتى وإن دفع الشعب ثمناً باهظاً لها في ظل دولة المؤسسات والقانون؛ هي أولاً خياره الذي فوض ممثليه بإجازته وتبنيه، ثم إنه مطمئن على أن العوائد والفوائد من تلك التنمية سيكون مآلها في خزائنه الوطنية، بفضل مؤسسات الرقابة والمحاسبة التي وضع ثقته فيها. في النموذج الآخر المقابل نلاحظ أن هذه الثقة مهزوزة (إن وجدت) لأن الناس مغيبة دائماً عن مفاهيم الشراكة والاختيار، وبالتالي من أين لهم أن يثقوا في أناس لا يعرفونهم ولا يعلمون ماضيهم أو جدارتهم بإدارتهم. كما أن الأمر لم يقف عند حد فرضهم دون أن يملك الناس حق محاسبتهم على أخطائهم، وإنما علاوة على ذلك يُطالب الناس بكيل الثناء والشكر على أفعالهم، والتقدير العالي لتصرفاتهم، التي لا تصنف كخدمات واجبة عليهم و مستحقة للناس. بل أفضال كبرى قدمتها هذه الفئة لعموم الناس تستحق المنّة والتذكير المذل دائما.

في بنية كهذا لا أعتقد أن التنمية الاقتصادية يمكنها أن تحقق الهدف المنشود منها، بل على النقيض تماماً ستثير عموم الناس، وتؤلب قلوبهم على الساسة المنتفعين، وعلى أهل الإدارة المعزولين، وستنشأ طبقة طفيلية بين القلة التي في قمة الهرم، والكثرة التي في قاعدته؛ ستقطع هذه الطبقة أي محاولة بسيطة للتفاعل الإيجابي في سبيل تصحيح المسار. عندئذ سيصرف الوطن من قدراته أعوامه الكثير في معالجة الآثار الجانبية التي ولدها فهم قاصر للتنمية، نابع من إدراك شخصي َقُصَر المنافع على دائرة ضيقة بنى أفرادها منظورهم على قناعات متصلبة، ومكّنوا من تعميمها كسياسات عامة دفعت أثمانها أجيال تستحق الأفضل".

السبت، 29 أغسطس 2009

بين السطور - عجيب أمرها !!



بين السطور، عمود يومي في جريدة أخبار الخليج البحرينية. يكتبه يوميا الأستاذ صلاح فؤاد عبيد. أتابع هذا الفاضل منذ فترة فهويجذب إنتباه الكثيرين من القراء بسهولة، وسلاسة ليس لأنه يجيد فن التعامل مع المواضيع المجتمعية فحسب، بل لأنه أخذ على عاتقه هم الوطن. فهو قادر على أن ينقد بوضوح متى ما كان للنقد مكان ويطرح الشكر في وقته بامتنان. وهنا في هذا الفضاء، أحببت أن أطرح مقالا يستحق الوقوف عنده، ليس فقط لجمال منطقه بل لانه يمسنا جميعا وصيغة الجمع هنا تشمل دول مجلس التعاون الخليجي. نشرهذا المقال في صحيفة أخبار الخليج الصادرة بتاريخ 27 أغسطس 2009 - العدد 11479

عجيب أمر هذه المملكة.. يتحدث مسئولوها عن التنمية البشرية، ويفاخرون بحصول البحرين على مراكز متقدمة فيها، ويقولون عن الإنسان البحريني أنه أهم ثروات هذا الوطن، ثم يشترون الإنجازات الرياضية بالأموال عن طريق البدعة المسماة (التجنيس الرياضي) لتسجل تلك البطولات (المستوردة) و(المدفوعة الأجر) باسم شباب البحرين في سجلات الإنجازات الرياضية لشعوب العالم، بينما الرياضيون البحرينيون محرومون من أبسط مقومات صنع الأبطال والبطولات!

عجيب أمر هذه المملكة.. يتحدث المسئولون فيها عن شح الأراضي وعدم وجود مساحات كافية لإنشاء بيوت إسكانية للمواطنين، ثم يفتحون الباب أمام الخليجيين والأجانب لتملك الأراضي والعقارات بكل حرية، ولإنشاء أبراج وعمارات في طول البلاد وعرضها ومن ثم بيعها على الخليجيين والأجانب، فترتفع بذلك أسعار الأراضي والعقارات ويصبح من المستحيل على المواطن البحريني المحدود الدخل - وهي الشريحة الأعظم بين سكان البحرين - شراء أرض أو حتى شقة سكنية في بلاده!

عجيب أمر هذه المملكة.. يتحدث المسئولون فيها عن ارتفاع معدلات التلوث في أجواء البلاد وبيئاتها البرية والبحرية، وعن وجوب خفض تلك المعدلات، بينما واحد من أهم وسائل ذلك الخفض متاح أمامهم بكل سهولة، ممثلا في تحويل سائر السيارات والشاحنات والحافلات للعمل بالغاز الطبيعي، لكنهم مازالوا يتجاهلون هذا الحل المثالي بيئيا والأوفر اقتصاديا!

عجيب أمر هذه المملكة.. يتحدث المسئولون فيها عن عجز الميزانية وعدم وجود فوائض مالية تكفي لإنجاز مشاريع إسكانية لإيواء المواطنين الصابرين على البأساء والضراء منذ أكثر من 17 عاما، بينما تسارع الدولة إلى إنشاء أنصبة تذكارية وبوابات للمدن بملايين الدنانير، وتخصص أكثر من 62 مليون دينار لإنشاء مبنى جديد لمجلسي الشورى والنواب، على الرغم من عدم وجود عيوب جوهرية في مبنى المجلس الحالي!

عجيب أمر هذه المملكة.. تسطع فوق رؤوس مسئوليها شمس حارقة طوال أكثر من ثلاثة أرباع السنة، وبدرجات حرارة قادرة على غلي الإسفلت تحت أقدامهم، تكفي لتوليد طاقة كهربائية تفيض عن حاجات البلاد وسكانها، لكنهم يتجاهلونها تماما ويحثون الخطى نحو إنشاء مفاعل نووي لتوليد الطاقة يتكلف مئات المليارات من الدولارات، ويضع مصائرنا في أيدي الدول المنتجة للمواد المشعة، ويتسبب في تلويث البلاد والعباد بالإشعاعات والنفايات النووية التي لا علاج لها!

عجيب أمر هذه المملكة.. يبتكر العديد من أبنائها اختراعات عملية ومفيدة، ويعرضونها في المعارض التي يفتتحها الوزراء وكبار المسئولين الذين يشاهدونها بانبهار ويشجعون مبتكريها على الاستمرار في هذا النهج الرائع، لكنهم بمجرد الخروج من تلك المعارض ينسون ما شاهدوه وكأنه لم يكن!.. ثم يستنكرون هجرة العقول العربية من بلدانها!

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

الإدارة والديمقراتنموية المستدامة

قرأت في العدد (5111) من صحيفة الشّبيبة الموقرة الصادر بتاريخ 9 أغسطس 2009، مقالا بعنوان "عطش التنمية للديمقراطية" للكاتب الأستاذ سعيد بن سلطان الهاشمي. أثار هذا المقال الجميل ما أثاره في نفسي, ليس لأن هناك معزة واحترام كبيرين أكنهما للأستاذ سعيد فحسب, بل لأن المقال إحتوى على هنات وكأنه جمعها من أفواه الكثيرين ممن يسمعون ويعون. فذهبت أتمتم بتلك الأسئلة التي طرحها وأردت أن أبدأ من حيث انتهى الأستاذ سعيد أو ربما أركز على زاوية معينة، علّني أساهم في إمتداد للموضوع.


من سمات الحياة البشرية (في سهولتها أو تعقدها، بدائيتها أو تحضرها) تكوين الجماعات المختلفة وذلك لاحتواء البيئة التي تعيش فيها هذه الجماعات بشتى أنواعها وأنماط تشكلها. وبحكم أن الأنسان مدني بطبعه ولا يحب الإنعزال, بدأ بتكوين عائلات وقبائل أو عشائر يقوم فيها الزعماء أو رؤساء الجماعات بتصريف أمور هذه الجماعات وتوزيع مهامها وحل نزاعاتها واتخاذ القرارات بما يتناسب مع القضايا المتعلقه بالجمع. وبنفس النمط تطور الأمر الى أن تكونت مجتمعات ومن ثم دول. هذا الإحتواء يتكون بدافع الإستفاده أو بشكل أشمل إستثمار الموارد والطاقات المحيطة والتي تقع تحت سلطتها وهذا ربما هو أحد أبسط مفاهيم الإداره.



إن نجاح خطة تنمية إقتصادية أو إجتماعية ما، يعود إلى حسن أستغلال الموارد المادية والإستثمار في الموارد البشرية. وهذا يدفعنا للنظر الى الموضوع من منحى آخر. بمعنى، أن التخطيط الجيد لمناحي التنمية في وجود قدر من الديمقراطية العقلانية في مجتمع ما يرتبط إرتباطا وثيقا بكفائة الإدارة المعنية. ولذلك، فإن الكثير من المشكلات الإدارية عادة ما تتواجد بشكل ملحوظ في الدول النامية. نعم أتفق مع الأستاذ سعيد في أن التنمية تحتاج فيما تحتاج إلى رفيق في مشوارها الذي لا ينتهى. فالمصطلح الحديث الذي أصبح يلازم الألسنة هو "التنمية المستدامه"، ولايجاد هذا النوع من التنمية (إذا كانت ضمن الأهداف الرئيسة) فلابد من تواجد تلكم العناصر الأخرى والتي إنتقاها لنا سعيد الهاشمي.


أما اذا أردنا الخوض في نقاش آخر، فهناك العديد من التعريفات الموضوعية الشائعة لمفهوم الإدارة ، بل أن هناك من يمارس الإداره بشكل تلقائي ويومي دونما الإلتفات لهذه المفاهيم. وهناك من يجادل ليطلق عليها مصطلح رقيق مثل "فن الإدارة" بينما يصمّم البعض على وضعها في قائمة العلوم لتصبح "علم الإدارة". وغيرهم من يروّج لجعلها فنّا وعلما في ذات الوقت. ورغم تعدد تلك التعريفات فهي بشكل عام تتفق في الرؤية والمضمون. ولعلني أضيف هنا تعريفا للإدارة إستقيته من كثرة عناصرها التي تملأ الكتب وهو أنها : "عملية تحتاج الى إستمرارية التنظيم والتوجيه والتخطيط والرقابة لاستثمارالموارد البشرية والمادية لمجتمع ما للوصول الى الهدف المطلوب بكفاءه وفاعلية".


إن المصطلحات المكونة للتعريف السابق تتفق مع ما أشار إليه الأستاذ سعيد عن محاور التنمية وقوائم الديمقراطية. وهذا يعني أن الإدارة والتنمية والديمقراطية جميعها رؤوسا للمثلث ذاته، إن أردنا النظر اليها هندسيا. ويعزى ظهورالعديد من التعريفات الى وجود العديد من المدارس التى وضعت مبادئ وأسس الإدارة، ولعل من أوائلها المدرسة الكلاسيكية. والغريب هنا ، أنه رغم قدم هذه المدرسة، والتى ربما تعود الى بدايات القرن المنصرم، إلا ان بعض مبادئها القديمة ما زالت تستخدم من قبل بعض الإداريين إلى يومنا هذا.وإعتمادا على العديد من النظريات ، فإن الإدارة الجيدة لا تعتمد على تخطيط وتنظيم جيدين وحسب، بل تعتمد بشكل كبير على صفات معينة يجب أن يتحلى بها الإداري الفاعل. فعليه - على سبيل المثال لا الحصر - أن يتحلى بأخلاقيات معينة كالأمانه، والعدل، والإخلاص في العمل. كذلك يجب أيضا أن يتحلى بصفات إنسانية وعقلية وفكرية وفنية وحتى جسدية تتفق وطبيعة عمله تكون على أقل تقدير نابعة من حبه لوطنه. ومما لا شك فيه، أن جميع تلك الصفات نجدها تنبثق من تعاليم ديننا الأسلامي الحنيف فلا حاجة لأسلمتها. فقد قال الله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين." (آل عمران:85) وقال جل وعلا: "...فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا..." (طه:123-124).


أما الديمقراطية (لغويا: حكم الشعب أوالأكثرية)، والتي باتت تتلقفها آذاننا من كل حدب وصوب، فهي أيضا لا تتأتى إلا بوجود تلك الإدارة الحكيمة التي لا تتضمن الإدارة المالية والتوظيفية والتنفيذية فحسب وإنما إدارة الوقت والمخاطر. ولا جديد في القول بأن ضمن مفاهيمها، الحفاظ على حقوق أساسية للبشر، وأحد هذه الحقوق هو حريّة التعبير عن الرأي. وأيا كان نوع الحكم في بلد ما سواءا ملكي أو جمهوري أو غيره فإنه من الواضح أن المساحة شاسعة بين ما ينقش فيها من ديمقراطية وبين ما يمارس. إن البعض يعترف أنه إن لم تمثل الديمقراطية (كنظام حكم) سلما للسلطة، وفي ذات الوقت ضمانا لحياة كريمة للبشرفي ضمانها لحرية التعبير، فهي ليست ديمقراطية.


ولكن في المقابل نجد أن مفكروا الديمقراطية إجتهدوا لإلباسها أثوابا تتلائم وما يعتقدون. فأصبح هناك ما يعرف بنظام المركزية الديمقراطية (حزب سياسي صيني- يستند على مبدأ الجمع بين المركزية على أساس الديمقراطية والديمقراطية بإرشاد المركزية)، وليبرالية وأخرى توافقية وديمقراطية شورية وغيرها الكثير. نماذج أخرى أطلق عليها تسميات لا تخرج عن طبيعة البشر في التكتل وفن النزاع فهنا ديمقراطية فوضوية وهناك إنضباطية وقس على ذلك.


ما نشهده اليوم من تصرفات حزبية في إدعاءات ديمقراطية، يجب ألا نجعلها مثلا دونما دراية، فليست هذه هي "الديمقراطية" المنشودة. أليس كذلك؟ إن الكتاب الرّباني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يحمل لنا صورة (سورة) كاملة لأجمل سنن الديمقراطية على الإطلاق، حيث يقول الله عز وجل: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب" (الشورى:10).


وعوْد على بدء ، فإن التنمية بما تحتويه من مفاهيم التطوير والتحديث والإصلاح باتت أمرا مفروغا منه، ليس لانها تعكس منظور إنساني وحضاري وحسب، بل لأن تحقيقها يمثل أحد الضمانات للغيرة على مكتسبات الدولة والحفاظ على منجزاتها. وربما يتطور هذا المنظور ليكون أيضا ضمانا لدوام الأمن والإستقرار في بلد ما وهذا مكسب في حد ذاته. ختاما، أقول أنه إذا وجدت "خطة محكمة" في يد "إدارة فاعلة" وفي جو "ديمقراطي مطمئن"، فابشر "بالتنمية المستدامة"..... ودمتم سالمين 

مقال منشور

الثلاثاء، 14 يوليو 2009

هل الديمقراطية تحتضر؟


سؤال سأله الدكتور ويل ديورانت* في بدايات القرن العشرين وفي عصر النهضة الأمريكية الفتية، فهل الديمقراطية تحتضر؟ بداية، لمن لا يعرف ويل ديورانت، فهو كاتب وفيلسوف وسيكولوجي ومؤرخ. صاحب مؤسسة ديورانت التي أصبحت مصدرا موثوقا للمعلومات. ساهمت المؤسسة في إثراء المكتبات لأكثر من نصف قرن في التاريخ البشري في مجالات الحياة والتاريخ والفلسفة.



ما كان يميز أسلوب ديورانت في الكتابة في النصف الأول من القرن العشرين، أنه لم ينظر للتاريخ على أنه مجرد سرد بارد لأحداث مختلفة في أمكنة وأزمنة وحسب، بل ذهب في التفكير إلى أن التاريخ "من صنع أناس أحبوا وحلموا وقاوموا وحاربو من أجل رؤى وأهداف معينة". وأيا كانت هذه الأهداف، أصبح لزاما على التاريخ أن يسجل لهم ذلك.لم تكن كتب ديورانت في تلك الحقبة، مثل كتاب " قصة الحضارة ، والذي أستغرقت كتابته خمسين عاما " و "قصة الفلسفة - 1926" و" دعوة إلى الفلسفة" و"سلطة التاريخ" و" أبطال التاريخ" و "أعظم العقول والأفكار على الإطلاق"ذات تأثيرا مهم و كبيرا وحسب، بل إنها ترتبط بما نعيشه اليوم وكأن الزمن قد توقف، أو مصداقا للقول المأثور أن "التاريخ يعيد نفسه". أتاحت لنا هذه الكتب وغيرها الفرصة للتحدث معه بشكل غير مباشر. فأصبح يخاطب فينا التلاميذ، والمعلمين، والآباء، والصحفيين، ورجال الأعمال والمثقفين وجميع من تتوق نفسه للغوص في أعماق المعاني وأسلوب التحضر والتنوير والتعامل مع االآخر. والقارئ لكتابات ديورانت، يلاحظ أنه كان شغوفا بدراسة الإنسان وأدق تفاصيل حياتة ورصدها بطريقة مبتكرة وغير قابلة للمنافسة. ولذلك لم يضع معرفته وأفكاره كغيره، بل وضعها بطريقة تاريخية فلسفيه تنويرية تتعلق بخريطة الإنسان وسمات شخصيته.

ولقد كتب يقول: " من الخطأ أن نعتقد أن الماضي قد مات، فكل ما حدث في الماضي له تأثير على الحاضر. والحاضر هو فقط عبارة عن تراكمات مركزه للماضي في وقت محدد في دائرة الزمن". وتفسير هذا أن الأنسان لم يكن يبدو على ما هو عليه إذا لم يكن له ماض تأثر وجهه فيه بمراحل وكون بذلك سيرة ذاتية، وبسبب جيناته الوراثية التي تساهم في تكون طباعه، ولوجود العديد من العناصر الطبيعية والبيئية. ليس ذلك فحسب، بل إن كل شخص تراه وكل كتاب تقرأه وكل ممارسة وخبرة حياتية، جميعها تتخزن في الذاكرة الدماغية، فتؤثر على الجسم والأعضاء والشخصية. إذن لن نفهم الحضارات إذا لم نستند إلى ماضيها، وبطبيعة الحال الإنسان نفسه هو أداة الحضارة الأولى.

إن التشاؤم الحدثي الذي نعيشه كان وما يزال سببه "نظرتنا للتاريخ وكأنة سيل إضطرابات للمتناقضات بين أفراد في خضم حياة إقتصادية، ومجموعات في تقلبات حياة سياسية، ومؤمنين في تطرفهم الديني، وبين دول في حروب مصطنعة" هكذا كتب ديورانت. وهذا هو أكثر وجوه التاريخ درامية، وعادة هذا ما يلفت نظر المؤرخ واهتمام القارئ. وللأسف لم يصبح التاريخ مجرد سجل لمخازن الحضارات فحسب، بل إنه أصبح يشكل صورة تمتلؤ بدماء الشعوب.

ولكن إذا تخلصنا أو تحررنا من هذا النهر الجارف "والمليء بالكراهية والظلام والدم، لما وجدنا الهدوء وحسب، بل سنرى مشاهد أكثر تحفيزا وإشراقا"، الكلام لديورانت في بداية القرن الماضي. هذه المشاهد يمكن أن تختزل ببساطة في إمرأة تعلم أولادها، ورجال يبنون المنازل والمنشآت، ومزارعون يحرثون ويزرعون ، ومعلمون يشكلون ثقافة أجيال، وعلماء يغربلون المعرفة بصبر وجلد، وفلاسفة يختبرون الحقائق، وسياسيون يسعون أحيانا لنشر السلام، وفنانون يغرسون في أعماقنا المحبة.

يقال أن هناك منطق فلسفي مهم وهو أن " كل حالة للتاريخ تقابلها حالة مناقضة". الحالتين معا يشكلان مزيجا يطغى فيمابعد ليكون حالة ثالثة جديدة أقوى من الحالتين الأصليتين. ولو طبقنا هذا المنطق على تشكيل حكومات الدول لرأينا نشؤ الديمقراطية من الأرستقراطية، وتحولها عبر الزمن إلى ابتكار مجهول المعالم. وهذا التحول النابع من أسس أرسقراطية يتبعه إفشاء قوانين معينة لا تستقيم بدونها الديمقراطية حيث تقوم الأرستقراطية في نهاية الأمر بقيادة ركب الديمقراطية ولكن ليس في شكلها المنشود. أو ليس هذا مألوفا اليوم؟

"كانت الديمقراطية السياسية في أمريكا مبنية على الديمقراطية الإقتصادية. فقد كانت العائلات في بلد كهذا تعيش في معزل عن بعض حيث يحكمون أنفسهم، ويزرعون خضرواتهم وفواكههم ، ويصطادون طعامهم، ويخيطون ملابسهم، وكان الناس ينظرون إلى بعضهم البعض بعين (الحرية والمساواة) واتخذت بذلك مسمى الأرض الحرة. وهذا المبدأ جعل أشخاص (رؤساء) مثل توماس جيفرسون وأندرو جاكسون يتجرأون ويثورون ويهدفون للرئاسة" الكلام أيضا لديورانت.

"الأرض الحرة" أتاحت مبدأ المنافسة الحرة، والعمال المهرة وبساطة الأدوات أتاحت فرص الإكتفاء الذاتي لكل فرد تقريبا، ولكن الديمقراطية - بعد أن لبست الملفح الإقتصادي - عزلت هذا كله فنشأت المصانع والمدن المزدحمة، واتسعت رقعة الإحتكار وفكرة والأندماج، ونشأ ما يسمى بالتحكم المالي المركزي. أو ليس هذا مألوفا أيضا؟ يواصل ديورانت "إن هذا ساهم في غلاء تلك الأدوات البسيطة نظرا لتحكم المؤسسات الكبرى بالإقتصاد. كذلك تم نشر معلومات مغرية وغير دقيقة للسكان الضعفاء الذين أصبحوا لا يملكون من أمرهم شي سوى اللهث وراء ما يروج له وينتشر من غير حول لهم ولا قوة".

إن تعقد الصناعة واتساع الرقعة السكانية وتطور العلاقات الخارجية وتعقدها في أمريكا مثلا، واحتمالية حدوث (إفتعال) حروب سواءا داخلية أو خارجية ساهم في إستبدال المشكلات السياسة بالمشكلات الإقتصادية وهذا ما سبب عجز السياسيون الذين تم أنتخابهم على أسس ومعرفة سياسية. فأنهم لم يستطيعون فعل شي إزاء تلك الإقتصاديات من القضايا ما سبب تغير فكري وسياسي بحجم سرعة التطور السكاني والعمراني. ولذلك لجأ السياسيون إلى الإقتصاديين الذين مارسوا سياساتهم الضاغطة وربحوا الرهان. كل ما سبق من عوامل خلق مبدأ "الحرية والمساواة" والذي كان وهما كبيرا ساهم في "نشر ديمقراطية غير حقيقية". ومن خلال نافذة جميلة، يتم "إستغلال الجمائل للحصول على الأصوات واستغلال الجريمة وفرض الطاعة وملئ الشوارع بالفساد"، كما يعترف ديورانت. وكأنه يتحدث عما يحدث اليوم أو بمعنى آخر وكأن تلك الطقوس المستخدمه في ذلك الزمان هي نفسها التي تستخدم في هذا الزمن، ربما مع إختلاف الأدوات.

إن "هذا النوع من الديمقراطية لم يعد يقنعنا بعد الآن ولذلك يجب علينا إنقاذ الديمقراطية من المجموعات الكثيرة والتي وهبت نفسها بسهولة وانقادت وراء هوس الحضارة الغير حقيقية. وكذلك علينا إيجاد طريقة لعدم تمكين الأرستقراطية من دس أهوائها لإنشاء قوانين الديمقراطية ولذلك نحن نحتاج لوضع الديمقراطية الكاملة فوق الجميع ويجب علينا نشر مبدأ تكافؤ الفرص والذي يمثل أحد أسس العملية الديمقراطية" فقد أصبحت أمريكا أسوأ الأمم الغربية كما يقول ديورانت.

ربما نحن كمسلمين لا نحتاج لهذا كله في وجود تاريخ هائل من أساليب العيش بما فيها الديمقراطية (في كتاب الله عز وجل) وأساليب الحكم والإقتصاد والتكافل والتكافؤ (في السيرة المحمدية) وبروز الجناح العسكري القوي (في الفتوحات الإسلامية). ولكننا للأسف لم نستثمر ذلك ولم نستمر في التمسك بذلك كله وحبذنا مسخ الهوية في التسارع إلى زيف الحضارة.ولكن ديمقراطيا، نستطيع أن نستشف بعض الأسئلة ضمن هذه الدائرة بل ربما تدفعنا إلى الديمقراطية المنشودة يوما ما. لماذا لا تحتوي مدارسنا وجامعاتنا على مناهج لتعلم الإدارة والقانون، كاحتوائها على المعلومات الفيزيائية والكيميائية والدينية وعلوم اللغة؟ لماذا لا يتم تفعيل دور مكتبات الجامعات، وإنشاء مكتبات عامة، وتيسير الدخول لها والإستفادة من مخزونها؟ لماذا لا يتم تشجيع الكتّاب ليس فقط للكتابة، بل لطباعة ونشر كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم دون منة؟ إن المستفيد الأول من ذلك هو المجتمع، فالمبدعون لا يحتاجون لمحفز بقدر ما يحتاجون لمساحات. ولا يكمن تحفيزهم فقط في طباعة ونشر إبداعاتهم بل أيضا في إستحداث مسابقات لتقييم ما قدموه وتكريمهم لما يطرحون.

عزيزي القارئ، إذا كانت هذه الكلمات التي خطها د. ويل ديورانت في مقاله في أوائل القرن العشرين تقرع جرسا في ذهنك لارتباطها بالواقع المعاش الآن، فإن ما أضفته ما هو إلا إستقراء لموضوع قديم حديث وكان لزاما علي أن أعترف- كما يعترف الكثيرون ومن ضمنهم ديورانت نفسه - أنه يمكن أن يكون حلما. نعم حلم، كما حلم الفلاسفة والمبدعون والمخترعون في العصور الأولى للحضارة. ونعم أيضا، لانه يجب أن نحلم لأن ذلك أول خطوات الأبداع. فما حلم به هؤلاء وغيرهم أصبحنا نعيشه واقعا. وما نحلم به نحن الآن ربما يتحقق، إذا لم يكن في وقتنا فللأجيال القادمة.

ودمتم سالمين.

الخميس، 2 يوليو 2009

خزانــة العالـــم

عادة عندما أقود سيارتي أشغل المذياع. وعادة ما أضبط مذياعي على موجة لمحطة أخبار. هناك أحيانا برامج جميلة تستحق الأستماع في وجود الكثير من المحطات سواءا مرئية أم مسموعة والتي تسوس آذاننا وما بقي من عقولنا، ببرامج ومنوعات لا تسمن ولا تغني. وحالما تدق الساعة معلنة موجز الأنباء، أحكم قبضتي على مقود السيارة وأرخي باقي الأعضاء سمعا بلا طاعة. فماذا نسمع عادة؟




كلمات وعبارات أصبحت دارجة بل وعادية جدا، بل إنها أصبحت وكأنها جزءا في قائمة طعامنا اليومي. فمن منا ما أن يعود إلى بيته ويفتح التلفاز ليغص بتلك امصطلحات المكررة؟ فها هو الملف الإيراني، وملف دارفورالسوداني، والصومالي، والملف الفلسطيني المتفرع إلى ملفات أخرى و ربما هو الأكثر جدلية مناصفة مع الملف العراقي والأفغاني وأيضا الملف الكوري الشمالي وها هو الملف اليمني أيضا يطرح نفسه بقوة، وقريبا باكستان ستحضى بملف خاص بمعزل عن الأفغاني رغم وجودها مناصفة مع الهند في ملف كشمير لزمن.

ألا تلاحظون معي أن العالم لم يعد كرويا أو بيضاويا كما قيل؟ ألا يبدوا لكم أن العالم تحول إلى خزانة كبيرة تحتوي على ملفات فقط؟ ولماذا تمتليء الخزانة بملفات هذه البقع من الأرض؟ أصبحت الدول بما تحوية من مدن وضواحي ومواطنين وموارد وغيره عبارة عن ملف. والسؤال الحائر هنا، من يا ترى المسئول عن فتح هذه الخزانة، ومن يخوّل هذا الــ....لفعل ذلك؟ وما دوافع فتح أي ملف كان؟ سؤال، أترك لك عزيزي القارئ الجواب عليه. إذا تسنّى لك ذلك.

أحيانا يتم فتح أكثر من ملف في آن واحد. وكل ملف له خصائص وأهمية بل وأولوية ومساحة معينة في ساحة الأخبار. بل إن ألفاظا معينة باتت تفرض على مسامعنا والغريب أن معظم القنوات الإعلامية بجميع أضلعها المرئي منها والمسموع والمقرؤ أصبحت تتفق على ذات الألفاظ وكأنها تتبع منهجا موحدا. مثال على ذلك: فصائل، متمردين، نزع السلاح، تنظيم، إرهاب، قواعد عسكرية، ...... وغيرها الكثير.

يقول أحد المنظّرين إن أحد الطرق الفعالة في تهيئة أو غسل الدماغ إن صح التعبير تكمن في تكرار ألفاظ معينة مرارا. تحوي هذه الألفاظ رسائل مشفرة لا يعيها المرء من الوهلة الأولى. فيقوم المخ الآدمي باستقبال واستيعاب هذه الألفاظ وتخزينها بما تحمل من شفرات. إلى ماذا نرمي بهذا؟

تصبح هذه الكلمات بعد فترة مألوفة لدى الدماغ (أي المرء)، فلا يستنكرها كما كان يفعل، ولا يعيرها ذلك الإهتمام لانها تأرشفت، تماما كما يحدث في جهاز حاسوبك الشخصي (History أوCache). ما يحدث ليس مصادفة، كما أن داروين عندما قلل من القدرة الإلهية وبكل بساطة قال بأن الأجرام السماوية بما فيها الأرض والمجموعة الشمسية تكونت بفعل عوامل طبيعية بحتة. وبوضعه لنظرية الإنفجار الهائل (The Big Bang) أصبح في نظر البشرية منظّرا هائل في حين أن البعض لديه أدلة دامغة على أنه لم يكن سوى ملحدا هائل، قد سوّق لتغييب البشرية ولتنحرف عن الأيمان بوجود إله واحد عظيم وراء هذا الخلق العظيم. والغريب أنه يتم تدريسنا هذه النظرية في أحد مواد العلوم رغم تنافيها مع مبدأ إسلامي وهو أن الله خالق كل شي.






ربما يتهمني بعض القراء بالهلوسة، فليكن. ولكن ما نراه بالفعل أن هناك أجنده ضخمة تحوي الكثير. فيا ترى من وضعها؟ ومن يقودها؟ ومن يديرها؟ ومن يؤدي مهامها؟ وما هي أهدافها؟ وإلى أين وصلت الآن؟ وكيف؟ إن أحد أدوات هذه الخطة البعيدة المدى هو الإعلام، ولا عجب إذن أن البعض يعتبر الإعلام (عامة والمرئي خاصة) أداة للسيطرة على الدماغ (Mind Control).سأشرع في التطرق لها  في مقالات منفصلة إن شاء الله بعد الإنتهاء من مرحلة البحث التي بدأتها منذ فترة.

يحضرني في هذا المقام حديث شريف حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (صدق رسول الله). فلو تمسك شعوب العالم العربي والإسلامي بمكارم الأخلاق أولا (ناهيك عن العبادات العقائدية) لأصبحنا نحن من يسيطر على الأدمغة كما كنا.

ودمتم سالمين.

الاثنين، 29 يونيو 2009

نقص القادرين،، وكمال الأحلام !!


قرأت مقالا جميلا للشيخ الدكتور سلمان العودة. هذا الشخص الذي يراه ويسمعه الكثيرون ويتبعه فكريا الكثيرون بل ويحبه الكثيرون بمن فيهم أنا شخصيا. أحبه لانه عقلاني ومطلع ليس على مناحي الشريعة فحسب، بل على ما يدور حوله من تطور وتقنية ماأعطاه دائرة واسعة. ولقد يسّر الله له الوصول إلى قلوب الكثيرين قبل عقولهم. مقال الشيخ يتحدث عن نقص القادرين. وقد وضع له هذا العنوان تيمنا بقول المتنبي:





وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ عَيْبا * كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

وحين يتأمل الشيخ سلمان .. يرى أن "الإنسان عادة يطمح للكمال, ويأنس للمثالية في كل عمل أو أمل.. حتى ولو كان دون ذلك ؛ فلا هو وصل لنهاية الغاية، ولا قام بفرض الكفاية .. فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".



أترككم مع بقية درر الكلام  



إن مشاريع النجاح المستديمة تعتمد على عنصر العمل ضمن المتاح ، واستغلال الموجود ، وانتهاز الفرصة، وإنما بقيت مسارات كثيرة في العمل النافع متعثرة أو متخثرة بسبب الحدّية الشاعرية:
 لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ.



كمال الأحلام مطمح بشري, غير أن البشر حينما يشرعون بالعمل تهبط بهم الخيالات إلى حيث الناس والواقع ، هذا الواقع الذي كان موقع المنافسة ومحل الاستثمار؛ كما يقول الاقتصاديون فحين نعمل بكفاءة وجودة، فإننا نؤسس لكمال واقعي يرقى بالعمل لأفضل المنافسة. يقول بعض الأذكياء : احلم بالمستحيل ، ولكن اعمل ضمن حدود الممكن، وهذا بالتحديد هو ما يجعلنا من أعمالنا ومشاريعنا أكثر واقعية وتأثيراً.



يعرف المهتمون بأن نجاحات البشر، ومشاريعهم التي قامت عليها الناس وصنعت نقاطاً مهمة؛ هي شيء من معرفةٍ بسنة الحياة وواقعها، وبأنها تراكمية تقوم على مبدأ التكامل وليس الكمال ، فالتكامل عنصر من الفهم والعمل والإدارة, تقوم به فئات مؤسسية واتجاهات مختلفة ومدارس وعلماء, ربما على مر أكثر من قرن لصناعة نجاح تراكمي, يقوم على مبدأ التعدد و التكامل والتفاعل ، هكذا قامت علومنا الإسلامية ، وحتى التجديد الإسلامي الذي ورد في الحديث « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » (رواه أبو داود والطبرانى والحاكم ، قال العراقى: سنده صحيح ) فإن كثيراً من الأئمة ذكروا أن هذا التجديد قد يكون من جماعة كثيرة يقوم كل منهم بجهة ويجدد مجالاً من مجالات هذا الدين وعلومه ويحييه, فيكون هو مجددها في هذا الباب .. فـ" مَنْ " في الحديث نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم ؛فقد يكون شخصاً او أشخاصاً ، فرداً أو جماعة، عالماً أو مؤسسة ، جمعية أو جمعيات.



وهكذا، فهذا العنصر الجماعي هو الذي يحيي الأفكار ويضيف عليها عنصر "التراكمية" المهم الذي صنع في كثير من العلوم ثروة معرفية وثورة علمية, بسبب اعتماد اللاحقين على نتائج السابقين وعدم الوقوف عندها بل تطويرها والعمل عليها ونقدها وفرزها حتى يكون بنياناً رصيناً يعتمد بعضه على بعض.



ولعل هذا من معاني الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ». النجاح ميسور والإبداع ممكن لكل شخص ؛ إذا استغل إمكاناته وواتت الفرصة فاقتنصها بصدق عزم، وحالفه التوفيق, ووضع ذلك موضعه حين يساعد العمل الناجح ويسعى لإكماله وتكوينه والبدء من حيث انتهى لا من حيث بدأ.

إن العالم مليء بالمبدعين والناجحين وعلماء الشريعة والمخترعين، وهم في مفردات حياتهم كغيرهم, دون أزمات في تصرفاتهم أو طفرات في تفكيرهم، أو تعليق الإبداع والنجاح لحين إشعار آخر, بل يعملون ضمن المتاح والإمكانيات, ويستغلون الفرص بشكل فردي أو جماعي, فكل وقت لديهم هو وقت مناسب, وكل حدث أو أزمة هو فرصة للتفكير والمراجعة والتجدد والتجديد وليس فرصة للنكوص والتثبيط. بيد أن القاعد حبيس الكمال محبط يائس؛ فكل إبداع من غيره ناقص، وكل نجاح يحتاج إليه، وكل تميز فيه شائبة، فهو وحده في الكمال والناس غيره في النقائص والعيوب ،وهو دائماً متوتر قلق فالأمور عند الناس لا تسير بنظام وترتيب ودقة كما في مخيلة كماله؛ ولذا قليلاً ما تجده يستمتع بحياته بعفويتها ، فضلا عن أن يترك للناس ذلك. ومثله وإن حقق بعض النجاحات إلا أنه يتملكه شعور الضحية ويسيطر عليه ؛ فالمجتمع والإمكانات والفرص بل والدنيا كلها سائرة ضد اتجاهه وإبداعه ونفسه. إنكثرة التأنيب للنفس وندب الحظ لايصنع شيئاً ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لطم الخدود وشق الجيوب لأنها تصنع الحزن فحسب.

لقد كانت حياة خير البشر صلى الله عليه وسلم أنموذجاً للتأسي والاقتداء وقَلّ عمل إلا وفيه من البشرية نصيب مع عصمة الله -عز وجل- له، فمِن مناشدته ربه يوم الفرقان، إلى سقوطه في الحفرة يوم أحد، وشج وجهه الشريف، ونزول الدم منه، ونيل الكفار من جنابه ، ويوم حنين إذ أعجب الصحابة كثرتهم؛ فكان ما كان، وعتاب ربهم لهم.



وتوفى الله -عز وجل- نبيه يوم توفاه وما زال في جزيرة العرب يهود ونصارى ومشركون ومنافقون وغيرهم، وقد كان يجتهد في شئون الحياة ويقول « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ » رواه مسلم، واستشار أهل بدر في النزول عند البئر. وما حياة الصحابة كلهم وخلافهم واتفاقاتهم في أمورهم الشرعية والسياسية مما هو مسطور في كتب السنة والفقه والتاريخ إلا معايشة من هذا الجيل لعصره بواقعه وتجاوبا مع الفطرة بنقصها وكمالها؛ إذ لا تتأتي الحياة لأحد على الوجه الذي يريد كما يريد.


في حداثة سني كان يطربني قول أبي الطيب:




وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ عَيْبا * كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمام





والآن أقول لنفسي: سامح الله أبا الطيب لقد أتعب من بعده.
______________________________






السبت 27 جمادى الآخرة 1430الموافق 20 يونيو 2009

الثلاثاء، 9 يونيو 2009

صــدى البــــط


كلنا يعلم أن ليس للبط صدى. ولا يوجد أحد على وجه الأرض بعلمائها وعقلائها ومكتشفيها ومخترعيها يستطيع أن يجزم لماذا إلى الآن، غير أنها آية من آيات الله عز وجل. إذن لماذا هذا العنوان لواقع مستحيل؟! أهي محاولة لجذب انتباه القارئ؟! ربما. أم هو إحساس بوجود تناقضات حولنا لا صدى لها؟! ربما، أم هو لوجود أصداء كثيرة لحالات كثيرة ولكنها معدمة وكأنها ليست موجوده؟! أيضا ربما...... للهمس بقية..




الخميس، 22 مارس 2001

تفـــــاحـــة


في بعض أيام عمري كنت أكتب الشعر... لا بل كنت أقرض بعضه


كتبت الشعر النبطي أو الشعبي الذي كنت أستسيغه لتأثري بالموروث ثم بعدها تأثرت بالشعر الحر أو شعر التفعيلة وبعدها حاولت كتابة الشعر الفصيح


لم يكن لدي الوقت والعقل لأكمل المشوار، وبعد مرور سنين وقعت يدي على دفتر أزرق كنت أحفظ فيه ما أكتب أو بالأحرى أكتب فيه ما أشعر. صعقت في بادئ الأمر ثم فكرت في لملمت تلك الوريقات وتخزينها بشكل تقني في الحاسوب
بعدها شعرت بفخر إذ أنني كنت أكتب بذلك الشكل وفي تلك الحقبة !!


وددت هنا أن أدرج بعض تلك الهنّـــات، فاخترت قصيدة بعنوان تفـــاحـــة. هذه القصيدة كتبتها في الطائرة في الرحلة من مدينة روما الأيطالية إلى البحرين بتاريخ 22 مارس 2001


القصيدة من شعر التفعيلة الحر أترركم مع مفرداتها





العلم ماله حدود.. ومهما تعلم هالبشر .. يبقى علمهم محدود


قالوا ان الأرض كوره من زمان.. وقالوا في المريخ ماي و كان ياما كان..


وكله في النهايه علم في تدبير في وقت وتفكير..


كيمياء.. فيزياء هندسه فضا.. كل هالقول انقضى..


ولو رجعنا للسبب.. السبب تفاحه طاحت !!


تفاحة نضجت.. ويمكن هب عليها الريح طاحت.. فوق من؟!


فوق منهو استنتج وقرر وبعدها .. فكر وفكر..


اسحـــــــــق نيــــــــــوتن ..


واحنا افكارنا ..من قبل ما يحين يموتن..


هذا لو فكرنا اصلا .. لان ما في وقت اصلا..


..المهم..




جاء وقت التكنولوجيا والتطور .. واحنا مازلنا نحسب العمر ونزور..


وفي المدارس.. علمونا قصة نيوتن..عرفنا سرها المكنون..وتغير مسار الكون


والسبب،، تفاحه طاحت !!


ياما طاح التمر من عذق النخيل ولا درينا        ياما لمّينا بقايا من فتات العذق خذناها ومشينا


ليش ما فكرنا مثله.. ليش ما بادرنا مثله..


والعذر.. لان ما عندنا تفاح !!!
وكل هالتفاح لى نزرع اساسا ما يطيح..


ما في داعي يطيح.. يطيح او يطيح.. ما تفرق..


لان لو طاح جايز نفكر..او او جايز نقرر


واحنا ابد ما نملك نقرر..


..النتيجه..


احنا احسن شعب يسمع ..واحنا احسن شعب يخضع .. واحنا اغبى شعب يضحك


واعتقد ..


لو الله سبحانه عطانا .. بدل كل لسان.. زياده في الآذان .. احسن


لانّا ما نستخدمه الا لشتم الناس


والهذره والوسواس..وضايع بنا الأحساس..


تفاحة طاحت !!


وجمالنا ناخت.. وكثرت سكاكينن من حولنا لاحت..


..


هذي التفاحه اصلا.. امها تفاحة آدم


طلّعتنا من جنان الله والله اختبرنا.. وفوق هذي الأرض طحنا..


ومثلها تفاحة نيوتن..وصرنا نشوف كل احلامنا يموتن..


على مراى على مسمع .. ولا في حد يتكلم..




شالوا القدس.. ذبّحوا اطفالها..عذّبوا نسوانها ورجالها..


واحنا ..


احنا احسن شعب يسمع .. واحنا احسن شعب يخضع




استفادوا حيل من تفاحة طاحت


وطيحوا كل الكراسي والعروش


واحنا ما زلنا نحسب العمر ونزوّر.. ونتشبث بها واكبرت فينا الكروش


ونضحك..


واحنا اغبى شعب يضحك.. والسبب تفاحه طاحت




ليت هالتفاحه طاحت
في دمشق او مكه العذراء
 الرباط او تونس الخضراء
في عدن او قاهره الغبراء


يمكن يطلع نيوتن عندنا


يطلع يفكر ويبدع لاجلنا..


بس ما اعتقد.. كان يمكن يكون حاله حالنا !!


بيكون احسن شخص يسمع .. واول شخص يخضع


ويمكن يكون الغباء مسيطر عليه.. هذا نفسه حالنا..


ولا في حد ابد يرثي عليه..



ايـــــــه.. يا تفاحة طاحت..
غيّرتي مجرى الكون كلّه.. ولا هزّيتي فينا اي شعره
خيرنا ما زال للغير.. ولاحدن يذخره..
ايـــــــه.. يا تفاحة طاحت..


يا ليتها طاحت على راسه وراح فيها الأخ..
ولا يتغّير كل شي في الكون واحنا..
احنا اخ يضرب اخ..




ايـــــــه.. يا تفاحة طاحت..
يت ما طحتي.. وليت ما هب الهواء وهز الغصن لي انتي:
تعيشـــيبه..وتحـــييبه وتمـــوتيبه..
وليت هالتفاحه اصلا ما لمسها آدم وحواء..


رغم انها في طعمها وفي فوائدها:
اقل من فوائد هالبنوك اللي اتّراقص على اطراف الموائد
في بيوت الفقر.. بيوت مملوءه سهر..


الطـــب يوصف لك حديد فبطنها.. في شكلها في لونها..
من إحمرار أو إصفرار أو إخضرار..
مغري مفيد ..ويخلي الصحة شديد ..


واحنا ..


احنا ما زلنا نشريها ..وناكلها ..ونتذكر..


انها غيّرت كل شي الا شي واحد..


انا ما زلنا ..


احسن شعب يسمع .. واحسن شعب يخضع .. واغبى شعب يضحك


والسبب.. تفـــــاحه..


طـــاحت


طـاحت


طاحت




الطــير المهــاجر


في الطائرة من روما الي البحرين


22/3/2001